04a0f040cb2ce19e86e0978cbc83a1f8

عندما يتحول الألم إلى نعمة - وتصبح الروح أقوى من الحياة

author image

الكاتب : أشرف محمدين

 


الكاتب : أشرف محمدين 

في حياة كل إنسان، تمر لحظات لا يفهمها، مواقف لا يختارها، وابتلاءات لم يكن يومًا يتمنى أن يعيشها، لكنه يجد نفسه فيها، وكأن الحياة قررت أن تختبر صبره، وتضع قلبه في مواجهة مباشرة مع ذاته… وهنا، تحديدًا، لا تكون العبرة في حجم الألم، بل في الطريقة التي يُقابل بها هذا الألم.
فالابتلاء، في حقيقته، ليس دائمًا عقابًا كما يظن البعض، بل قد يكون في كثير من الأحيان بابًا خفيًا لنعمة أكبر، لا تُدرك إلا حين يُمزج هذا الابتلاء بالرضا، حين يستقر في قلب الإنسان يقين هادئ بأن ما يحدث له، رغم قسوته، يحمل في طياته رحمة لا يراها الآن، لكنها ستنكشف له يومًا ما، في وقت لم يكن يتوقعه.
والرضا هنا ليس استسلامًا، ولا ضعفًا، بل هو قوة داخلية نادرة، تجعل الإنسان يعيش الألم دون أن ينكسر، ويتألم دون أن يفقد توازنه، ويمضي في حياته وهو يحمل وجعه، لكن لا يسمح له أن يقوده… بل يقوده هو بإيمان عميق وهدوء داخلي يشبه السلام.
ثم يأتي التفاؤل… ليس ذلك التفاؤل الساذج الذي يتجاهل الواقع، بل التفاؤل الواعي، الذي يرى الظلام لكنه يؤمن بوجود الضوء، الذي يتعثر لكنه لا يتوقف، الذي يسقط أحيانًا، لكنه يرفض أن يبقى على الأرض… هذا التفاؤل هو الذي يُعيد تشكيل الحياة، ويكسر قسوتها، ويمنح الإنسان القدرة على البدء من جديد، مرة بعد مرة، دون أن يفقد الأمل.
أما الأمل… فهو ذلك النبض الخفي الذي لا يُرى، لكنه يُشعر، هو الذي يجعل الإنسان يستيقظ كل يوم وكأن هناك فرصة جديدة تنتظره، حتى وإن لم يكن يراها بوضوح، هو الذي يُبقي الروح حية، رغم كل ما مرّت به من خيبات، ويجعلها قادرة على الاستمرار، لا لأنها لا تتألم، بل لأنها تعلّمت كيف تعيش رغم الألم.
ويبقى التسامح… ذلك السر العميق الذي لا يدركه الكثيرون، فالتسامح الحقيقي ليس تنازلًا عن الحق، ولا ضعفًا في الشخصية، بل هو تحرر داخلي من أثقال الماضي، من الغضب، من الألم المتراكم، من تلك المشاعر التي تُرهق القلب دون أن تُغير شيئًا في الواقع… فحين يسامح الإنسان، لا يُنقذ الآخرين، بل يُنقذ نفسه أولًا.
وحين يجتمع التسامح مع التصالح مع النفس، تبدأ رحلة مختلفة تمامًا، رحلة يعود فيها الإنسان إلى ذاته، لا ليُحاسبها بقسوة، بل ليفهمها، ويحتويها، ويقبلها بكل ما فيها من ضعف وقوة، من أخطاء وصواب، فيشعر لأول مرة أنه لم يعد في صراع مع نفسه بل أصبح في سلام معها.
وفي النهاية - يكتشف الإنسان، بعد رحلة طويلة من الصراع والأسئلة التي لم يجد لها إجابة، أن الحياة لم تكن يومًا عادلة بالقدر الذي تمناه، لكنها كانت — في عمقها — رحيمة بالقدر الذي لم يكن يراه، وأن كل ابتلاء مرّ به لم يكن ليكسره، بل ليعيد تشكيله بشكل أعمق وأصدق، وأن الرضا لم يكن خيارًا سهلاً، بل كان النجاة الوحيدة من الغرق في دوامة الاعتراض التي لا تنتهي.
ويفهم، متأخرًا أو في الوقت المناسب، أن التفاؤل لم يكن رفاهية، بل كان سلاحًا خفيًا يحمي روحه من التآكل، وأن الأمل لم يكن مجرد فكرة جميلة، بل كان خيطًا رفيعًا أنقذه من السقوط في العدم، وأن التسامح، الذي ظنه يومًا تنازلًا، كان في الحقيقة أعظم انتصار حققه على نفسه… لأنه حين سامح، تحرر، وحين تحرر، هدأ، وحين هدأ، عاد إلى ذاته إنسانًا لا يحمل في قلبه إلا ما يُشبهه.
وهنا فقط يصل الإنسان إلى تلك المرحلة النادرة، التي لا يسعى فيها إلى أن تكون حياته بلا ألم، بل إلى أن يكون قلبه أقوى من أي ألم، ولا ينتظر من الدنيا أن تُرضيه، بل يتعلم كيف يرضى هو عنها فيسكن، ويهدأ ويكتشف أن السعادة لم تكن يومًا في الخارج، بل كانت دائمًا بداخله تنتظر فقط أن يتصالح مع نفسه ليجدها.

    بحث هذه المدونة الإلكترونية