04a0f040cb2ce19e86e0978cbc83a1f8

التضحيات المستمرة لمن لا يستحق - جريمة في حق النفس

author image

التضحيات المستمرة لمن لا يستحق - جريمة في حق النفس


 الكاتب: أشرف محمدين 

في معترك الحياة، نتعلم أن الحب والعطاء والنية الطيبة ليست دائمًا عملات متبادلة بقيم متساوية. نمنح، فنُنتَهك. نُضحّي، فيُعتبَر عطاءنا حقًّا مكتسبًا. نسكت عن الألم، فيُحسب علينا ضعفًا. وما بين العطاء الصادق والاستغلال الصامت، تتحوّل التضحيات من مظهر نبيل إلى عبء داخلي وجريمة خفيّة ضد أنفسنا.

لا تُصبح التضحية أمرًا جميلاً حين تخرج عن إطارها الطبيعي وتُفرض باستمرار. عندما يتحول العطاء إلى واجب دائم دون تقدير، تفقد التضحية معناها، وتُنتزع منها إنسانيتها. نحن لا نُخلق لنكون دائمًا في موقع التنازل، ولا أن نعيش عمرنا كاملًا في تلبية حاجات الآخر دون أن يُلقي نظرة على ما نحتاجه نحن.

إن استمرارك في تقديم التنازلات يُنتج شخصًا أمامك يعتبر تضحيتك واجبًا لا معروفًا، وحقًّا لا فضلًا. وهنا تبدأ الكارثة النفسية. لأنك – دون أن تشعر – تُربّي هذا الآخر على ألا يراك، بل يرى ما يحصل عليه منك فقط. تتحوّل من إنسان إلى وظيفة، من روح إلى آلة، من قلب نابض إلى مورد دائم للطاقة العاطفية.

والمؤلم في كل ذلك، أن أغلبنا لا ينتبه لهذه الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. بعد أن نُستنزَف. بعد أن نفقد قدرتنا على العطاء، ثم نفقد أنفسنا، ثم نجد أن الذي أعطيناه لم يكن يستحق، وأنه إن كان يستحق، لما سمح لك أن تفنى لأجله.

التضحية لمن لا يراها، خيانة مزدوجة: خيانة من الآخر، وخيانة منك لنفسك.

إن النفس التي تكرّس حياتها لإرضاء الآخرين، دون أن تُنصف ذاتها، تعيش موتًا بطيئًا. وكل مرة تقول فيها “لا بأس” وأنت تتألم، فأنت تقصّ من عمرك العاطفي. كل مرة تتنازل فيها عن مبدأك لتُرضي شخصًا لا يقدّرك، فأنت تكتب سطرًا جديدًا في قائمة الجُرم ضد ذاتك.

وما أكثر من ضحّوا باسم الحب، والواجب، والتقدير، فلم يجدوا في نهاية المطاف سوى الفراغ، والنكران، والإهمال. فالعطاء الأعمى لا يورث المحبة، بل يُنبت الطمع. والتسامح بلا حدود لا يولّد الاحترام، بل يُولّد الاستهانة

ليس الحل أن نغلق قلوبنا أو نمنع أنفسنا من العطاء. بل أن نُعيد تعريف التضحية.

التضحية ليست أن تُلغى، بل أن تُوزن. ليست أن تكون بلا حساب، بل أن تكون باختيار. أن تعطي حين يكون العطاء لمستحق، لا لمن يعتبرك ركنًا ثابتًا لا ينهار.

أن تكون كريمًا، لا يعني أن تكون ضحية. أن تحب، لا يعني أن تُفنى. أن تحتمل، لا يعني أن تُهان.
و في النهاية - علينا أن نُدرّب أنفسنا على الوعي بأن العطاء قيمة عظيمة، لكنها لا تُمنَح إلا لمن يعرف قيمتها. علينا أن نتحرّر من عبودية إرضاء الآخرين، وأن نحرص على إنقاذ أنفسنا من التنازلات القاتلة. فالتضحية ليست بطولة حين تُمنَح لمن لا يستحق، بل خيانة صامتة للنفس. ولا شيء في الحياة يستحق أن نفقد أنفسنا من أجله.

فلا تكن ظالماً لنفسك باسم الحب، ولا تجعل قلبك مقبرة لتضحيات لا تُقدَّر

    بحث هذه المدونة الإلكترونية